محمد سعيد رمضان البوطي

29

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

الاجتماعية المعقدة ، كيف يتفق ذلك مع ما هو بدهي عند علماء الاجتماع من أن نشأة القانون المتكامل في حياة الأمة ثمرة لنضجها الثقافي والحضاري ، ونتيجة لتركيبها الاجتماعي المتطور ؟ ! . . ألغاز مقفلة ، لا يمكن لمن لم يضع نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم في الحسبان ، أن يجد لها أي حلّ في نطاق الأسباب والتعليلات المادية المألوفة . وكم رأينا من باحثين - من هذا القبيل - يتطوحون بأفكارهم ذات اليمين وذات الشمال بحثا عن مخرج من الحيرة ، دون أن يعودوا من سعيهم بأي طائل . ولكن سبيل المخرج من هذه الحيرة واضح مع ذلك . فالسبيل هو أن نكون منطقيين وموضوعيين في دراسة السّيرة النّبوية ، نجعل من الهوية التي عرّف محمد صلّى اللّه عليه وسلم على نفسه من خلالها محورا لدراسة حياته العامة كما قلنا . حتى إذا أسلمتنا هذه الدّراسة إلى اليقين بأنه نبي مرسل من قبل اللّه عزّ وجلّ ، أسلمتنا نبوّته بدورها إلى المخرج من الحيرة والوقوف على السّر بالنسبة لهذه الألغاز ، إن النّبي الصادق في نبوته لا بدّ أن يكون مؤيدا من قبل الإله الذي أرسله ، ولا بدّ أن يكون القرآن وحي هذا الإله إليه . فالقانون المتكامل إذن تنزيله وشرعته وليس من تأليف أمّة أميّة حتى يقع العجب وتطبق الحيرة . وهذا الإله يقول للمؤمنين في محكم تبيانه : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ سورة آل عمران 3 / 139 ] ، ويقول : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ . وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [ سورة القصص 28 / 5 ] ، ويقول : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ . وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ سورة الأنفال 8 / 9 - 10 ] . فقد اتّضح المبهم ، وظهر الحلّ ، وانجابت الغاشية ، وعاد الأمر طبيعيا إذ ينصر خالق القوى والقدر عباده المؤمنين به الملتزمين بمنهجه ويحقق لهم الفوز على من يشاء . بل الحيرة كل الحيرة كانت تقع لو أن اللّه التزم النصر لرسوله والتأييد لعباده المؤمنين ، ثم لم تقع معجزة ذلك النصر والتأييد .